فخر الدين الرازي

486

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بيوسف ما فعلوه ، لأنهم حسدوه على إقبال الأب عليه وتخصيصه بمزيد الإكرام ، فخاف بنيامين أن يحسدوه بسبب أن الملك خصه بمزيد الإكرام ، فأمنه منه وقال : لا تلتفت إلى ذلك فإن اللَّه قد جمع بيني وبينك . الرابع : روى الكلبي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما : أن إخوة يوسف عليه السلام كانوا يعيرون يوسف وأخاه بسبب أن جدهما أبا أمهما كان يعبد الأصنام ، وأن أم يوسف أمرت يوسف فسرق جونة كانت لأبيها فيها أصنام رجاء أن يترك عبادتها إذا فقدها . فقال له : فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي من التعيير لنا بما كان عليه جدنا . واللَّه أعلم . ثم قال تعالى : فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ وقد مضى الكلام في الجهاز والرحل ، أما السقاية فقال صاحب « الكشاف » : مشربة يسقي بها وهو الصواع قيل : كان يسقي بها الملك ثم جعلت صاعا يكال به ، وهو بعيد لأن الإناء الذي يشرب الملك الكبير منه لا يصلح أن يجعل صاعا ، وقيل : كانت الدواب تسقى بها ويكال بها أيضا وهذا أقرب ، ثم قال وقيل كانت من فضة مموهة بالذهب ، وقيل : كانت من ذهب ، وقيل : كانت مرصعة بالجواهر وهذا أيضا بعيد لأن الآنية التي يسقي الدواب فيها لا تكون كذلك ، والأولى أن يقال : كان ذلك الإناء شيئا له قيمة ، أما إلى هذا الحد الذي ذكروه فلا . ثم قال تعالى : ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ يقال : أذنه أي أعلمه وفي الفرق بين أذن وبين أذن وجهان : قال ابن الأنباري : أذن معناه أعلم إعلاما بعد إعلام لأن فعل يوجب تكرير الفعل قال ويجوز أن يكون إعلاما وأحدا من قبيل أن العرب تجعل فعل بمعنى أفعل في كثير من المواضع ، وقال سيبويه : أذنت وأذنت معناه أعلمت لا فرق بينهما ، والتأذين معناه : النداء والتصويت بالإعلام . وأما قوله تعالى : أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ قال أبو الهيثم : كل ما سير عليه من الإبل والحمير والبغال فهو عير وقول من قال العير الإبل خاصة باطل ، وقيل : العير الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء ، وقيل : هي قافلة الحمير ، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل قافلة عير كأنها جمع عير وجمعها فعل كسقف وسقف . إذا عرفت هذا فنقول : أَيَّتُهَا الْعِيرُ المراد أصحاب العير كقوله : يا خيل اللَّه اركبي وقرأ ابن مسعود : وجعل السقاية على حذف جواب لما كأنه قيل فلما جهزهم بجهازهم وجعل السقاية في رحل أخيه أمهلهم حتى انطلقوا ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ . فإن قيل : هل كان ذلك النداء بأمر يوسف أو ما كان بأمره ؟ فإن كان بأمره فكيف يليق بالرسول الحق من عند اللَّه أن يتهم أقواما وينسبهم إلى السرقة كذبا وبهتانا ، وإن كان الثاني وهو أنه ما كان ذلك بأمره فهلا أنكره وهلا أظهر براءتهم عن تلك التهمة . قلنا : العلماء ذكروا في الجواب عنه وجوها : الأول : أنه عليه السلام لما أظهر لأخيه أنه يوسف قال له : إني أريد أن أحبسك هاهنا ، ولا سبيل إليه إلا بهذه الحيلة فإن رضيت بها فالأمر لك فرضي بأن يقال في حقه ذلك ، وعلى هذا التقدير لم يتألم قلبه بسبب هذا الكلام فخرج عن كونه ذنبا . والثاني : أن المراد إنكم لسارقون يوسف من أبيه إلا أنهم ما أظهروا هذا الكلام والمعاريض لا تكون إلا كذلك . والثالث : أن ذلك المؤذن ربما